محمد جمال الدين القاسمي
16
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الرضاع وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله ( الطريق الثاني ) وهو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع . وهذا هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول - أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ . فكيف يقال : الإجماع نسخ هذه الآية ؟ الثاني - أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع . والإجماع ، مع مخالفة الواحد والاثنين ، لا ينعقد . ( والجواب عن الأول ) أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ( وعن الثاني ) أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة . فلا عبرة بمخالفته ، انتهى كلام الرازيّ ، وقوله ( من أهل البدعة ) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه . قال الإمام الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى في ( وبل الغمام ) : الذي نقله إلينا أئمة اللغة والإعراب وصار كالمجمع عليه عندهم ، أن العدل في الأعداد يفيد أن المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل المفرد في قوة تلك الأعداد . فإن كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو أربعة أربعة ، وكانوا ألوفا مؤلفة ، فقلت : جاءني القوم مثنى ، أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين ، حتى تكاملوا . فإن قلت : مثنى وثلاث ورباع ، أفاد ذلك أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين ، وتارة ثلاثة ثلاثة ، وتارة أربعة أربعة . فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم ، فإنه لا يستفاد منها أصلا . بل غاية ما يستفاد منها أن عددهم متكثر تكثرا تشق الإحاطة به . ومثل هذا إذا قلت : نكحت النساء مثنى . فإن معناه نكحتهن اثنتين اثنتين . وليس فيه دليل على أن كل دفعة من هذه الدفعات لم يدخل في نكاحه إلا بعد خروج الأولى . كما أنه لا دليل في قولك : جاءني القوم مثنى ، أنه لم يصل الاثنان الآخران إليك إلا وقد فارقك الاثنان الأولان . إذا تقرر هذا فقوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يستفاد منه جواز نكاح النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا . والمراد جواز تزوج كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات . وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن . بل يستفاد من الصيغ الكثرة من غير تعيين . كما قدمنا في مجيء القوم . وليس فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى . ومن زعم أنه نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا ، فهذا مقام الاستفادة منه ، فليتفضل بها علينا . وابن عباس ، إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع فهو فرد من أفراد الأمة . وأما القعقعة بدعوى الإجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف